نصر حامد أبو زيد
147
الاتجاه العقلي في التفسير
2 - التأويل عند الحسن البصري ومقاتل بن سليمان وتعدّ رسالة الحسن البصري « في القدر » أقدم ما تحت أيدينا من وثائق الخلاف العقائدي ، وما ارتبط به من التأويل بهدف اثبات فكرة معينة ، وهي مسؤولية الانسان عن فعله ، ونفي مسؤولية اللّه عن أفعال البشر . ومنهج الرسالة ، وأسلوبها الجدلي يعدّان بذورا طبيعية لنهج الفكر الاعتزالي وأسلوبه حتى عصر القاضي عبد الجبار ، باستثناء خلو رسالة الحسن من أي أثر لمنطقية التفكير ، واتساع الفكرة وتشعبها . ولا يخفي أسلوب الرسالة البسيط تلك النزعة الجدلية في صورتها الباكرة ، والتي أصبحت فيما بعد سمة غالبة على المصنفات الاعتزالية . أمّا منهج الرسالة فهو تقرير الفكرة أولا « فإن اللّه تبارك وتعالى يقول ، وقوله الحق : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ فأمرهم اللّه بعبادته التي لها خلقهم ، ولم يكن ليخلقهم لأمر ثم يحول بينهم وبينه ، لأنه تعالى ليس بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » 25 ثم يسهب الحسن في ايراد آيات قرآنية كثيرة تدلل على صحة مذهبه . وكلها آيات سيتعرض لها المعتزلة فيما بعد . ثم ينتقل الحسن بعد ذلك للآية التي كان يستشهد بها الخصوم - والتي تعرّضنا لها فيما سبق - ويحاول تأويلها تأويلا يردها إلى الآيات التي تثبت فكرته . لا يشير الحسن بالطبع إلى « محكم » أو « متشابه » أو « مجاز » وهذا أمر طبيعي ، فلم تكن المصطلحات قد صار لها - كما أصبح لها عند المتأخرين - هذا الوزن والتقدير . والذي تجدر الإشارة إليه أن الحسن حين يؤول الآية التي استشهد بها الخصوم ، يفسّر « الشرح » على أنه ثواب على طاعة العبد ، و « التضييق » عقاب على كفره . ولعل الحسن بهذا التفسير وضع البذرة الأولى لفكرة « اللطف » الذي يمنحه اللّه لمن يعلم أنه يختار الايمان ، ولذلك يجوّز الحسن - ووراءه المعتزلة - أن ينسب الهدى والايمان للّه دون أن يؤدي ذلك إلى الجبر ، وذلك على أساس أن اللّه يلطف بالعبد ، أو يمنحه لطفا ، يكون عنده أقرب إلى اختيار الايمان . فنسبة الايمان - والحال هذه - للّه نسبة صحيحة ، بعكس نسبة الكفر أو الاضلال إليه سبحانه . يؤكّد ذلك أن الحسن يجعل الآية كلها رحمة من اللّه للعباد ، وترغيبا لا ايئاس وقطع رجاء . ولا يخرج الزمخشري - في تفسيره للآية - عن هذا التفسير الذي يقوله الحسن ، غير أنه يستخدم مصطلحات الفكر الاعتزالي الناضج . يقول : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف « يشرح صدره للاسلام » يلطف به حتى يرغب في الاسلام وتسكن إليه نفسه ويجب